محمد ناصر الألباني

مقدمة المؤلف 6

أحكام الجنائز

بالوصية والتوبة ، وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه . ثم النهي عن عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث والنشور ، من لطم الخدود ، وشق الثياب ، وحلق الرؤوس ، ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك . وسن الخشوع للميت ، والبكاء الذي لا صوت معه ، وحزن القلب ، وكان يفعل ذلك ، ويقول : " تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب " . وسن لامته الحمد والاسترجاع ، والرضى عن الله ، ولم يكن ذلك منافيا لدمع العين ، وحزن القلب ، ولذلك كان أرضى الخلق في قضائه وأعظمهم له حمدا ، وبكى مع ذلك يوم مات ابنه إبراهيم ، رأفة منه ورحمة للولد ، ورقة عليه ، والقلب ممتلئ بالرضى عن الله عز وجل وشكره ، واللسان مشتغل بذكره وحمده " ( 1 ) . ولما كان كثير من الناس اليوم بعيدين كل البعد عن

--> ( 1 ) من كلام ابن القيم رحمه الله في " الفصل الأول من الجنائز " من " زاد المعاد " ( 1 / 197 ) وتمامه : " ولما ضاق هذا المشهد ، والجمع بين الامرين على بعض العارفين ، يوم مات ولده ، جعل يضحك ! فقيل له ، أتضحك في هذه الحالة ؟ ! فقال : ان الله تعالى قضى بقضاء ، فأحببت أن أرضى بقضائه . فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم ، فقالوا كيف يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم ، وهو أرضي الحلق عن الله ، ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك ! فسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية يقول : هدي نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمل من هدي هذا العارف ، أعطى العبودية حقها ، فاتسع قلبه للرضي عن الله ورحمة الولد والرقة عليه ، فحمد الله ورضي عنه في قضائه ، وبكى رحمة ورأفة ، فحملته الرأفة على البكاء ، وعبوديته الله ، ومحبته الله الرضى والحمد . وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الامرين ولم يتسع باطنه لشهودهما ، والقيام بهما ، فشغلته عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة " .